لمحة عن المجلس الأعلى للغة العربية

المجلس الأعلى للّغة العربيّة :هيئة استشارية تحت إشراف فخامة رئيس الجمهورية أنشئ بموجب المادة الخامسة من الأمر 96/30 بتاريخ 21 ديسمبر1998، والمعدل للقانون 91/226 في 16 يناير،1991 وحدّدت صلاحياته وتنظيمه وعمله بموجب المرسوم الرئاسي 98/226 المؤرخ في 11 جويلية 1998.

 وحدّد دستور 2016 في مادته الثّالثة أنّ المجلس هيئة دستوريّة تعمل على:

ازدهار اللّغة العربيّة؛

تعميم استعمال العربيّة في ميادين العلوم والتّكنولوجيا؛

التّرجمة من اللّغات إلى العربيّة.

أولا – المجلس: التأسيس والمهام :

– بناء على المسار التاريخي لبلادنا أثناء الاحتلال، وحوالي ثلاثة عقود بعد التحرير والتضحيات التي بذلها أغلبية الشعب الجزائري للمحافظة على كيانه وشخصيته الوطنية وانتمائه العربي الإسلامي فقد صدر سنة 1991 قانون تعميم استعمال اللغة العربية الذي يضع آليات تطبيق المادة الثالثة من دستور الجمهورية لسنة 1963 موضع التنفيذ.

وفي سنة 1998 عُدّلت المادة 23 من القانون المشار إليه، والتي تنص على إنشاء هيئة في رئاسة الحكومة مكلفة بمتابعة تطبيق القانون واستبدلت بهيئة استشارية تحت إشراف فخامة رئيس الجمهورية وتتكون من رئيس ومكتب وثلاث لجان يعينون جميعا بمراسيم رئاسية، ومن الملاحظ أن القانون والهيئة الثانية التي أنشئت سنة 1998 لا يوجد لهما مثيل في أي من البلدان العربية التي لم تعرف الاحتلال الاستيطاني الأكثر وحشية في تاريخ الإنسانية.

ونذكر من بين مهام وصلاحيات المجلس ما يلي:

– يتابع تطبيق أحكام القانون رقم 91-05 الصادر في 16 يناير سنة 1991، وكل القوانين الهادفة إلى تعميم استعمال اللغة العربية وحمايتها وترقيتها وتطويرها؛

– يساهم في إعداد واقتراح العناصر العملية التي تشكل قاعدة لوضع برامج وطنية في إطار السياسة العامة لبرامج تعميم استعمال اللغة العربية،

– يدرس ويبدي رأيه في مخططات وبرامج العمل القطاعية الخاصة بتعميم استعمال اللغة العربية ويتأكد من انسجامها وفعاليتها ويتلقى لهذا الغرض من الإدارات والمؤسسات والهيئات العمومية، كل المعلومات والمعطيات والإحصائيات التي تتعلق بمهامه ونشاطه؛

يعمل المجلس على تطبيق التشريع والتنظيم المتعلقين بتطبيق استعمال اللغة العربية في الإدارات والمؤسسات، والهيئات العمومية، ومختلف الأنشطة، لاسيما الاقتصادية والثقافية، والاجتماعية؛

– يعمل على تعبئة الكفاءات العلمية والتقنية لتمكينها من إنجاز الدراسات والأبحاث واقتراح البرامج التي تساعد على ازدهار اللغة العربية؛

– ينظم الندوات والملتقيات، والأيام الدراسية حول موضوع استعمال اللغة العربية في مختلف المجالات ويسهر على استغلال نتائجها ونشرها بكل الوسائل؛

– يوجه عمل المؤسسات، والهيئات والقطاعات التي تمارس أنشطة الثقافة، والإعلام، والتربية والتكوين في مجال تطوير وتعميم استعمال اللغة العربية؛

– يقدم الملاحظات التقويمية إلى القطاعات المكلفة بإنجاز برامج تعميم استعمال اللغة العربية؛

– يقدّم تقريرا سنويا عن مهامه السابقة إلى السيّد رئيس الجمهوريّة.

ثانيا منهجية العمل في المجلس

عمل المجلس خلال عهدته الأولى 1998-2003 بفريق يتكون من أعضاء يمثلون الإدارات والهيآت العمومية ومؤسسات البحث العلمي التابعة للجامعات والمعاهد العليا الوطنية، وكوّن في نهاية 2003 أفواجا من الخبراء وأساتذة الجامعة المتخصصين في المعجمية والترجمة والمصطلحية وأشرك في التخطيط والتنفيذ العديد من الوزراء ووكلاء الوزارات والمديرين العاملين في مختلف القطاعات التي لها علاقة بالجمهور، وأقام مع تلك القطاعات علاقات تشاور وحوار متواصلة لتعزيز مواقع العربية في الهياكل والمؤسّسات التي دخلتها في السنوات الماضية وعمل على تقديم الوسائل المشجعة على استعمالها في هيئات أخرى. كما عقد المجلس عدة لقاءات مع منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية عبر القطر للتعرف على العوائق التي تعترض عمليّة تعميم استعمال العربية في الحياة العملية وفي الإشهار والمحيط بوجه عام، واٌجتهد خبراؤه في تقديم الحلول في صورة أدلة أو قواميس ميسرة؛ مرفقة بنماذج للاستمارات والوثائق الإدارية الخاصة بالإدارات المركزية والمحليّة على مستوى القطر الجزائري.

يعتمد المجلس في مسعاه طريقة عملية تنأى باللسان العربي في الجزائر عن التجاذبات الإيديولوجية والأحكام المسبقة عند البعض عن العربية والعروبة كما تبدو اليوم، من خلال أوضاع الوطن العربي السياسية، وما يعانيه من تخلف بسبب الفجوة العلمية والتكنولوجية التي تمنعه من المشاركة في صنع حداثة العصر، مما أدى إلى انبهار البعض بما عند الآخر، وكراهية الذات، وانسحاب البعض الآخر إلى الماضي والعيش عالة على أمجاده، والاستغناء عن الجهد والاجتهاد.

يعمل المجلس على ضوء معاناة جيل ما بعد التحرير من جرح الذاكرة بسبب إنكار شخصيته الوطنية، وتحقير اللسان العربي طيلة حقبة الاحتلال الاستيطاني الفرنسي الإجرامي الذي دّمر الدولة ومؤسساتها ومارس إلى جانب الإبادة المادية إبادة معنوية لا زالت مضاعفاتها النفسية والثقافية ظاهرة إلى اليوم.

وتبيّن دراسة الواقع اللغوي في الجزائر وصيرورته التاريخية: أن الخريطة اللسانية تقدم المعطيات التالية:

– فصحى اقترنت بالقرآن الكريم وأدت إلى تقديس الحرف العربي وأصبحت آلية دفاعية ضد الأجنبي تستهدف التميز عنه، وإثبات الهوية العربية الإسلامية للجزائر في كل مدنها وأريافها؛

– عامية تمتزج في المدن بمفردات فرنسية يتم نطقها وفق مخارج الحروف العربية أو نطقها كما تنطق باللغة الفرنسية؛

– لغة أمازيغية بعدة لهجات فيها الكثير من المفردات العربية، كتبت حتى أواخر القرن 19 بالحرف العربي، وهناك اليوم خلاف حول أي حرف تكتب به هل هو الحرف العربي أو اللاتيني أو التيفيناغ؟ وقد نصّ التعديل الدستوري لسنة 2002 بمبادرة تاريخية من فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة على اعتبارها لغة وطنية ولها محافظة سامية ومركز أبحاث تابع لوزارة التربية،

– لغة فرنسية مستعملة في مستويات مختلفة بين فئات من النخبة والجيل الثاني من المغتربين في فرنسا.

وقد ارتأى المجلس بالنظر إلى المعطيات السابقة الاعتماد في عمله الميداني على الأفكار التالية:

1- لا توجد لغة متقدمة أو متخلفة بذاتها، إن التقدم والتخلف من صفات الناطقين بها، والعربية تقدمت وأصبحت لغة الإبداع في العلوم والفنون والآداب في عصرها الزاهر، وتراجع منتوجها في تلك المجالات المعرفية عندما أصيب العالمان العربي والإسلامي بالركود والفتن والتسلط الأجنبي.

2- اللغة العربية هي أساسا ثقافة وحضارة وليست عرقا أو سلالة؛

3- العربية الفصحى لغة واحدة وموحّدة لأقطار الوطن العربي وجامعة بين نخبه وشعوبه ومن دواعي التجانس والانسجام في أقطارنا مشرقا ومغربا؛

4- العربيّة ليست خصما للأمازيغية فقد تعايشتا معا في وئام لأكثر من ألف عام، وقد ساهم الأمازيغ في الفضاء المغاربي كلّه في علومها وثقافتها وإلى اليوم، ومنهم الكثيرون من منطقة زواوة (القبائل) بالذات.

إنّ اللّغة العربيّة التي أُقصيت لأكثر من قرن في الجزائر لا تقصي اللّغات الأخرى ومنها الفرنسيّة؛ بهدف الاستفادة من ذخائرها العلميّة والإبداعيّة، وليس للتحول إلى خدمة تلك اللّغات والهروب إليها.

وقد أسس المجلس منذ 2003 منبرين لمناقشة الأفكار السابقة بين مختلف فصائل النخبة وضيوف الجزائر من البلاد العربية الشقيقة ومن أروبا يحمل الأول عنوان: حوار الأفكار:هو منبر مفتوح للتفكير الحر الهادف، وتبادل الرأي حول قضايا اللسان والثقافة والمجتمع.

هدفـــه : تحديث الأصالة وأصالة التحديث وتجديد الخطاب حول الواقع والمأمول .

، ويحمل الثاني عنوان : منبر فرسان البيان وهو منبر خاص بالإبداع في الفنون والآداب باللغة العربية،

مجالاته : الشعر وأمراؤه وأميراته، والنثر بمختلف أجناسه والدراسات العلمية التي ترقى باللغة العربية إلى مستوى ما تتميز به من ثروة ومطاوعة .

هدفه : التحبيب في العربية والتعريف بجمالياتها الاستعمال الحديث للعربية وعلاقتها بالتراث العريق والمتجدد عبر العصور .

كما أنشأ في سنة (2008) منبرًا ثالثا تحت عنوان شخصيّة ومسار: منبر حر لعرض ومناقشة تجارب الشخصيات من النساء والرجال، داخل الوطن وخارجه، ممن خدموا الثقافة الوطنية والإنسانية، وساهموا في إثراء لغتنا الوطنية في العلوم والفنون والآداب والترجمة منها وإليها.

هدفه : تثمين تجارب النخب و تشجيع الحوار بين الأجيال بمنأى عن القطيعة والنسيان والاستفادة من تراكم الخبرة المكتسبة عن طريق التواصل والاتصال بين الأجيال

كما تُوّجت جلسات الاستماع والتشاور مع مختلف دوائر الدولة بمجموعة من معاجم المصطلحات والأدلّة العمليّة لقيت اهتمام المعنيين من مسؤولين وموظفين نذكر من بين تلك الأدلّة:

– دليل الإدارة، للمصطلحات المعتمدة والتعابير المتداولة في مؤسسات الدولة؛

– المبرق قاموس موسوعي للإعلام والاتصال (مفاهيم ومصطلحات) نال جائزة اللغة العربية سنة 2001؛

– دليل وظيفي في التسيير المالي والمحاسبي؛

– دليل وظيفي في تسيير الموارد البشرية؛

– دليل المحادثة الطبية؛

– دليل الوسائل العامة؛

– دليل المكتبية Bureautique (تحت الطبع).

وقد تم التحضير لتلك الأدلة بعدة ندوات وملتقيات تجمع بين الخبراء والمستعملين، وتقدم مشاريعها قبل اعتمادها للإثراء والتعديل من قبل القطاعات المعنية، وتستمدّ تلك الأدلّة والقواميس المصطلحات مما اختارته مجامع اللّغة العربيّة ومكتب تنسيق التعريب في الرباط، وتضع أمام كل مصطلح مقابله بالإنكليزية والفرنسية.

كما عقد المجلس عدّة ندوات وطنيّة وعربيّة ودوليّة وموائد مستديرة حول المسائل السابقة تمّ تدوين خلاصاتها ونشرها وتوزيعها بالمجان داخل الجزائر وخارجها، بعضها في صورة دفاتر الجيب، وبعضها الآخر دراسات فازت في المسابقات التي يعقدها المجلس كل سنتين في عدة موضوعات من بينها علوم العربيّة والطب والصيدلة والاقتصاد والاستشراف والترجمة يصل المجموع إلى 90 إصدارا خلال السنوات الخمس الماضية بما فيه مجلته الدوريّة النصف سنوية (انظر الجدول الملحق).

ثالثا خلاصة :

إنّ العناية بلغتنا الجميلة لا يعني الاكتفاء بتمجيد الماضي أو الهروب فكرا أو لسانا إلى الآخر، بل يحتاج إلى إرادة سياسية تثمّن جهود العلماء والأدباء في الجامعات والمخابر، ومراكز البحث العلمي وإلى تحديث مناهج ومضامين التربية والتكوين، وتوفير الشروط لاستعادة (الكفاءات) المتواجدة في المهجر، ووضع إستراتيجية بعيدة المدى لا تخضع للأمزجة الشخصية لتدارك الفجوة التي تفصلنا عن العالم المتقدم وتوطين المعرفة تمهيدًا لإنتاجها بلغتنا العربية الجميلة، واعتبار ذلك من متطلبات الأمن الوطني، ولا شك أنّ من أهم شروطه دعم الانسجام والتجانس الثقافي اللساني بين كل فئاته، واحترام الخصوصيات المحلية من ثقافات وألسنة فرعية تنهل من تاريخ مشترك، وهوية جامعة يعتز الجميع بالانتماء إليها وجوهرها مثلث الإسلام والعربية والأمازيغية المتمازجة في ضمير الإنسان الجزائري ماضيا وحاضرا. ويبقى اللسان العربي على مستوى المنطقة مغربا ومشرقا آخر المعالم الجامعة للعالم العربي قبل وبعد التمايزات الإيديولوجية والسياسية والمذهبية القديمة والحديثة في منطقتنا.

ولعل من الشجاعة الفكرية والأخلاقية أن نشير إلى أن الكثير من الدراسات الميدانية تنبه إلى ما تعانيه اللغة العربية في معظم البلدان العربية من تقهقر وتهميش ومزاحمة العاميات القطرية حتى بين المختصين في لسانها وآدابها وتفضيل لغة العولمة أي الإنكليزية والمواطن القديمة للغة الفرنسية.

لقد صمدت العربية في أحلك المراحل التاريخية للمد الكولونيالي بالنضال الشعبي، وهي اليوم في حاجة إلى النهوض بواسطة حماية الدولة والمجتمع لها، وبقدرتها على المنافسة في عالم القرن 21 بما تنتجه نخبها العالمة والمبدعة في مجالات العلم والتفانة والفنون الجميلة والآداب باللسان العربي، وبما تنقله الترجمة إليه من منتوج البلدان المتقدمة في تلك المجالات لتأخذ لغتنا مكانتها في موكب الحداثة والمناعة والمكانة، بمضامينها الفكرية الإبداعية في الآداب والعلوم والتقانات.